السيد كمال الحيدري
99
الإنسان بين الجبر والتفويض
المنطلق الثاني : يدور البحث فيه بطبيعة ملاك حاجة المعلول إلى علّة ، وينطلق من السؤال التالي : ما هو السرّ الكامن وراء حاجة الممكن إلى سبب وعلّة ؟ لقد قدّم الفكر الإنساني عامّة - دينيّاً وغير دينيّ - عدداً من التكييفات النظرية لهذا السؤال ، يمكن تصنيفها إلى أربع نظريات أساسية ، هي : 1 . النظرية المادّية : وهي تذهب إلى أنّ الموجود - من حيث هو موجود - بحاجة إلى علّة ، وعندئذ فإنّ الحاجة إلى العلّة هي أمر ذاتيّ لكلّ موجود ؛ بحيث لا يمكن أن نتصوّر وجوداً غير معلول « 1 » . 2 . النظرية الكلامية : وتتمثّل في أنّ الملاك في حاجة الممكن إلى علّة هي حدوثه « 2 » ، والمراد بالحدوث هو الوجود بعد العدم ، أي أن يسبق العدم الوجود . وهذا ما تبنّاه المعتزلة . يبدو أنّ الذي دفع المتكلِّمين إلى هذه النظرية التي رتّبوا على أساسها الحدوث الزماني للعالم ، هو اعتقادهم أنّ الأديان الإلهية قد أجمعت على هذا الأمر ، أو كادت ، كما يصرّح الرازي : « فهذا قول أكثر أرباب الملل
--> ( 1 ) ينظر في عرض هذه النظرية ومناقشتها : فلسفتنا ، السيّد الشهيد محمد باقر الصدر ، ط 14 ، دار التعارف : ص 272 فما بعد ؛ شرح المنظومة ، الشهيد مرتضى مطهري ، ترجمة السيّد عمّار أبو رغيف ، مؤسّسة أم القرى للتحقيق والنشر ، 1417 ه - : ص 240 فما بعد . ( 2 ) ينظر في ذلك : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام ، عبد الرزاق اللاهيجي : ص 89 ؛ المباحث المشرقية : ج 1 ، ص 134 ؛ القبسات : ص 313 ؛ النجاة : ص 213 ؛ الحكمة المتعالية : ج 1 ، ص 256 وج 2 ، ص 203 وج 3 ، ص 352 .